مجتبى وحارس بذور الحياة
06:22 • 26 يناير 2026
في قلب الغابة التي تتنفس سحراً، كان مجتبى يمشي بخطوات هادئة جداً، لدرجة أن الفراشات لم تكن تطير عند مروره. كان مجتبى يبلغ من العمر ست سنوات، وكان يفضل دائماً أن يراقب الأشجار ويسمع صوت الريح قبل أن يخطو خطوة واحدة. كان هدوؤه هو قوته العظمى.
فجأة، هبط منطاد أليكس الصغير بجانب نبع ماء صافٍ. خرج أليكس ومعه الثعلب الآلي سبارك. قال أليكس: «مجتبى! لقد وجدنا شيئاً لا يمكن لأحد حمايته غيرك. أنت تملك الصبر والهدوء اللازمين». سلم أليكس لمجتبى صندوقاً خشبياً صغيراً بداخله بذرة متوهجة.
«هذه بذرة شجرة الذاكرة»، أوضح أليكس. «إذا ذبلت، ستنسى الغابة ألوانها. مسؤوليتك هي إيصالها إلى قمة جبل الندى وزراعتها هناك. الطريق طويل، وعليك أن تعتني بها في كل لحظة». شعر مجتبى بقلبه يخفق بسرعة، لكنه أومأ برأسه بهدوء. لقد قطع وعداً، والوعد عند مجتبى شيء مقدس.
بينما كان يمشي، وجد طائراً صغيراً بجناح مكسور. كان مجتبى يعلم أن وقته ضيق، لكنه شعر بمسؤولية تجاه هذا الكائن الضعيف. توقف وراقب الطائر بصمت، ثم استخدم أوراق الشجر الناعمة ليصنع له عشاً آمناً بعيداً عن الرياح. لم يتكلم كثيراً، لكن أفعاله كانت تتحدث عنه.
لكن فجأة، بدأت الأرض تهتز، وظهر أمامهم نهر الضباب. الجسر كان قديماً جداً ولا يتحمل إلا شخصاً واحداً يمشى بتوازن دقيق. نظر سبارك إلى مجتبى وقال: «هل ستستطيع حماية البذرة وأنت تعبر هذا الخطر؟»
قرر مجتبى أن يعبر الجسر ببطء شديد. لم يكن خائفاً من الضباب، بل كان تركيزه كله منصباً على حماية البذرة المتوهجة. كان يضع قدماً قبل الأخرى بعناية، يراقب كيف تتمايل الحبال مع الريح، وينتظر اللحظة الساكنة ليتحرك. بفضل هدوئه، وصل إلى الطرف الآخر بسلام، وشعر بفخر كبير يملأ صدره؛ لقد نجح في أول اختبار للمسؤولية.
بينما كان يكمل طريقه، سمع صوتاً حزيناً يأتي من خلف الشجيرات. كان هناك سنجاب صغير ضائع يبكي. اقترب مجتبى منه بهدوء، ولم يتحدث بصوت عالٍ كي لا يخيفه. اكتشف أن السنجاب فقد عائلته أثناء العاصفة الأخيرة. هنا، وجد مجتبى نفسه أمام مسؤولية جديدة: هل يكمل طريقه بسرعة ليزرع البذرة، أم يتوقف لمساعدة هذا الصغير؟
تذكر مجتبى كلام والده عن أن المساعدة هي جوهر الشجاعة. قرر أن يأخذ السنجاب معه، وضعه برفق على كتفه وقال له بصوت خافت ومطمئن: «لا تقلق، سنصل معاً». الآن، أصبح مجتبى مسؤولاً عن روحين: البذرة والسنجاب.
بعد ساعات من المشي، وصلوا إلى وادي الألغاز. كان الطريق مسدوداً بباب حجري ضخم عليه نقوش غريبة. ظهر حارس الوادي، وهو بومة عملاقة حكيمة، وقالت: «لا يمر من هنا إلا من يثبت أنه جدير بالثقة. أمامك ثلاث جرار، واحدة تحتوي على الماء، وواحدة على التراب، وواحدة فارغة. عليك أن تختار ما تحتاجه البذرة لتنمو الآن، لكن احذر، إذا أخطأت ستذبل البذرة فوراً!»
نظر مجتبى إلى البذرة، ثم إلى الجرار. لم يتسرع كعادته، بل أغلق عينيه واستمع لنبض البذرة الصغير، وفكر في كل ما تعلمه عن الطبيعة.
توقف مجتبى لثوانٍ، راقب البذرة المتوهجة في يده، ثم نظر إلى الجرار. بذكائه الهادئ، أدرك أن البذرة لا تزال قوية ولكنها تحتاج إلى مكان آمن لتبدأ رحلتها. اختار جرة التراب الغني، وقال بصوت واثق وهادئ: «البذرة تحتاج إلى أساس متين لتمتد جذورها قبل أن تشرب الماء». ابتسمت البومة الحكيمة وفتحت الباب الحجري، قائلة: «الحكمة تسكن في القلوب الهادئة يا مجتبى».
وصل مجتبى أخيراً إلى قمة جبل الندى، حيث كان الهواء بارداً ومنعشاً. كان التعب قد نال منه، لكن شعوره بالمسؤولية تجاه الغابة وتجاه السنجاب الصغير الذي لا يزال على كتفه أعطاه طاقة مذهلة. وجد المكان المثالي لزراعة البذرة، وهو بقعة تلمسها أول أشعة للشمس.
بينما كان يحفر التربة بعناية، ظهرت مشكلة أخيرة: الرياح كانت قوية جداً وقد تجرف البذرة قبل أن يغطيها بالتراب. هنا، لم يتردد مجتبى. استخدم جسده الصغير كدرع لحماية البذرة من الريح، وبكل هدوء وصبر، وضعها في الأرض وغطاها بالتراب الذي أحضره. في تلك اللحظة، حدث شيء سحري! انفجر ضوء أخضر من الأرض، وانتشر في كل أنحاء الغابة، ليعيد الألوان والحياة للأشجار الذابلة.
شعر مجتبى بفخر لم يشعر به من قبل. لقد أتم المهمة، وحافظ على وعده، وأنقذ الغابة. والأجمل من ذلك، أن عائلة السنجاب ظهرت عند القمة، وكان اللقاء مليئاً بالفرح. نظر أليكس وسبارك إليه بإعجاب، وقال أليكس: «لقد وجدت قوتك يا مجتبى، وهي ليست في الصراخ، بل في الأفعال الشجاعة الصغيرة والمسؤولية».
عاد مجتبى إلى المنطاد وهو يشعر بأنه كبر سنوات في يوم واحد. لم يعد ذلك الطفل الخجول الذي يخشى التحدث، بل أصبح حارس الغابة الذي يثق في نفسه وفي صمته الحكيم.